الشيخ الطوسي
119
التبيان في تفسير القرآن
نفر تساروا ، فقال بعضهم لبعض : أترى الله يسمع أسرارنا ؟ وقال الفراء : معناه لم تكونوا تخافون ان تشهد عليكم جوارحكم فتستتروا منها ولم تكونوا تقدروا على الاستتار منها ، ويكون على وجه التغيير أي ولم تكونوا تستترون منها . وقوله ( ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون ) وصف لهؤلاء الكفار بأنهم ظنوا انه تعالى يخفى عليه أسرارهم ولا يعلمها ، فبين الله بذلك جهلهم به تعالى ، وانهم وإن علموه من جهة انه قادر غير عاجز وعالم بما فعلوا فإذا ظنوا انه يخفى عليه شئ منها فهو جاهل على الحقيقة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وفي قراءة عبد الله ( ولكن زعمتم ) قال الفراء : الزعم والظن يكونان بمعنى واحد وقد يختلفان . ثم حكى ما يخاطبهم به فإنه يقال لهم ( وذلكم ظنكم ) معاشر الكفار ( الذي ظننتم بربكم أرادكم ) أي أهلككم يقال : ردى فلن يردى إذا هلك قال الأعشى : أي الطوف خفت علي الردى * وكم من رد أهله لم يرم ( 1 ) وقوله ( فأصبحتم من الخاسرين ) معناه فظللتم من جملة من خسر في تجارته لأنكم خسرتم الجنة وحصل لكم النار . ثم قال ( فان يصبروا فالنار مثوى لهم ) قال البلخي : معناه فان يتخيروا المعاصي فالنار مصير لهم ، وقال قوم : معناه وإن يصبروا في الدنيا على المعاصي فالنار مثواهم ( وإن يستعتبوا ) - بضم الياء - قرأ به عمرو ومعناه إن طلب منهم العتبى لم يعتبوا أي لم يرجعوا ولم ينزعوا . وقال قوم : المعنى فان يصبروا أو يجزعوا فالنار مثوى لهم ، ( وإن يستعتبوا ) معناه فان يجزعوا فيستعتبوا ( فما هم من المعتبين ) لأنه ليس يستعتب إلا من قد جزع مما قد اصابه ، فطلب العتبى حينئذ ، كما قال ( اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا
--> ( 1 ) ديوانه ( دار بيروت ) 200 وقد مر في 8 / 499